الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
96
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
البلاء قائلة : فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد ثم تستثني جماعة فتقول : إلا قليلا ممن أنجينا . هذه الجماعة القليلة وإن كانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، ولكنها كحال لوط ( عليه السلام ) وأسرته الصغيرة ، ونوح والمعدودين ممن آمن به ، وصالح وجماعة من أتباعه ، فإنهم كانوا قلة لم توفق للإصلاح العام والكلي في المجتمع . وعلى كل حال فإن الظالمين الذين كانوا يشكلون القسم الأكبر من المجتمع اتبعوا لذاتهم وتنعمهم ، وكما تقول الآية : واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين . وللتأكيد على هذه الحقيقة ، تأتي الآية الثانية لتقول : إن هذا الذي ترون من إهلاك الله للأمم ، إنما كان لعدم وجود المصلحين فيهم وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . وأحيانا يسود الظلم والفساد في المجتمع ، لكن المهم أن الناس يشعرون بالظلم والفساد وهم في طريق الإصلاح ، وبهذا الشعور والإحساس والتحرك بخطوات في طريق الإصلاح يمهلهم الله ، ويقر لهم قانون الخلق حق الحياة . ولكن هذا الإحساس متى ما انعدم وأصبح المجتمع صامتا ، وأخذ الفساد والظلم في الانتشار بكل مكان فإن قانون الخلق والوجود لا يعطيهم الحق في الحياة ، وهذه الحقيقة تتضح بمثال يسير . . . في البدن قوة ومناعة كريات الدم البيضاء التي تواجه المكروبات والجراثيم عند دخولها البدن عن طريق الهواء أو الغذاء أو الماء أو الجروح الجلدية الخ . . . وهذه الكريات البيضاء بمثابة الجنود المقاتلة إذ تقف بوجه المكروبات والجراثيم فتبيدها ، أو على الأقل تحد من انتشارها ونموها . وبديهي أن هذه القوة الدفاعية التي تتشكل من ملايين الجنود ، لو أضربت يوما عن العمل وبقي البدن دون مدافع ، فسيكون ميدانا لهجوم الجراثيم الضارة